الرئيسية / Books كتب / ألف باء في قصص الأنبياء / قصة سليمان عليه السلام

قصة سليمان عليه السلام

قصة سليمان عليه السلام

هو سليمان بن داود عليهما السلام اختاره الله من بين أبناء يعقوب ليرث الملك والنبوة: (وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ) (النمل:16) فهي ليست وراثة مال فقد جاء في مسند الإمام أحمد وَبِإِسْنَادِهِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “إِنَّا مَعْشَرَ الأنبياء لَا نُورَثُ، مَا تَرَكْتُ بَعْدَ مَئُونَةِ عَامِلِي وَنَفَقَةِ نِسَائِي صَدَقَةٌ“.

مُلك سليمان وسلطانه

علا ملك سليمان عليه السلام وآتاه الله كل أسباب التمكين في الأرض، فقد كان يعرف لغة الطير: “ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ والمعروف أن الطيور لها لغة تتبادل بها الحديث(1)، كما سخر الله له كل ما يحتاج الملك إليه من الأدوات والجنود والجيوش والجماعات من الجن والإنس والطيور والوحوش والشياطين السارحات، والعلوم والفهوم والتعبير عن ضمائر المخلوقات من الناطقات والصامتات“: (فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ * وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ * وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ) (صّ:36-38) فكانت الريح طوع أمره وإرادته، ومما زاد في ملكه وقوته تسخير الجن معه فمنهم البنّاء الذي يبني القصور العظيمة، ومنهم الغواص الذي يغوص في أعماق البُحور يستخرج اللؤلؤ والجواهر وكنوز الأرض، كما كانت لديه القدرة والسلطان على حبس من يخالف أمره من الجن حتى أنه يربطهم بالأصفاد والأغلال كل اثنين معاً، مقرنين اثنين اثنين، القرين يعني الصاحب، وذلك كله عطاء من الله سبحانه وتعالى: (هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ) (صّ:39).

وأعطاه الله ذلك الملك العظيم الذي ما حازه أحدٌ قبله ولا بعده، روى البخاري في صحيحه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ عِفْرِيتًا مِنْ الْجِنِّ تَفَلَّتَ الْبَارِحَةَ لِيَقْطَعَ عَلَيَّ صَلَاتِي فَأَمْكَنَنِي اللَّهُ مِنْهُ فَأَخَذْتُهُ فَأَرَدْتُ أَنْ أَرْبُطَهُ عَلَى سَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ حَتَّى تَنْظُرُوا إِلَيْهِ كُلُّكُمْ فَذَكَرْتُ دَعْوَةَ أَخِي سُلَيْمَانَ (رَبِّ هَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي) فَرَدَدْتُهُ خَاسِئًاعِفْرِيتٌ: مُتَمَرِّدٌ مِنْ إِنْسٍ أَوْ جَانٍّ.

ومما ذكره الله عز وجل عن ملك سليمان عليه السلام: (وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ * يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ) (سـبأ:12-13) المحراب: صدر البيت أو المسجد، أو هو مكان الصلاة، والتماثيل هي التماثيل المعروفة وكانت حلال في شرعهم وحرمت في ديننا حتى لا تكون ذريعة إلى عبادة الأصنام، الجفنة: الإناء، الجواب: الأحواض، فكانت الجن تصنع أحواض المياه كالبحيرات، كل إناء بحجم بحيرة، القدر: هو القدر المعروف الذي يطبخ فيه، الراسيات: الثابتات لا تتحرك، يصنعون القدر الضخم ليطهو الطعام ويطعم للفقراء والمحتاجين.

وجعل الله له عيناً باليمن، يسيل منها الْقِطْرِ وهو النحاس: “وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِعين لا يخرج منها ماء، بل يخرج منها نحاس ذائب فيأخذه ويصنع به ما شاء، وقد كان كل هذا الملك يستخدم في طاعة الله وشكراً له على نعمائه: “اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْراً“.

كما أن الله سخر له الريح تجري من أول النهار إلى انتصافه مسافة ما تسير فيه مسيرة شهر، ومن منتصف النهار إلى الليل مسيرة شهر بالسير المعتاد، فكان يختصر بذلك الزمن المطلوب في شهر إلى نصف يوم. ليس فقط ريح الرخاء الهادئة، وإنما أيضاً الريح العاصفة تحت تصرفه، فكان معه مجمع الرياح يتحكم بها وهو في بيت المقدس: (وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ * وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلاً دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ) (الأنبياء:81-82) فكان كل شيء تحت تصرفه عليه السلام.

بساط سليمان

جاء في روايات كثيرة أنه كان عنده بساط ضخم من خشب، بحيث أنه يتسع لكل ما يحتاجه من جنوده من الإنس والجن والأمتعة والخيول والجمال وغير ذلك، فإذا أراد أن ينتقل من مكان إلى مكان آخر، أمر بما يحتاجه فحُمل على البساط، ثم تأتي الريح من تحته فترفعه وتسير به، لتقطع مسافة الشهر بفترة ما بين الفجر والظهر، وكذلك العودة إذا أرادوا أن يرجعوا بين الظهر والمغرب مسافة شهر: “وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌوالغداة هي الفترة الصباحية ما بين الفجر والظهر.

الصافنات الجياد

وكان يحب الخيل حباً شديداً، وكثير من الروايات تشير إلى أن الخيول كانت أكثر من عشرين ألف (20,000) جواد: (وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ * إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ) (صّ:30-31) الصافنات: الخيل التي تقف على ثلاثة أرجل وطرف حافر الرابعة، وهي خيول الزينة والرقص، والجياد: هي الخيول الضامرة قليلة الشحم، سريعة العدو وتستعمل للقتال وأعمال الحرب، وفي الرواية التي عليها أكثر السلف كما قال ابن كثير، أنه ذات مرة كان يستعرض الخيول عصراً، تمر أمامه فيتأملها، فشغله ذلك عن ورده اليومي الذي يتفرغ فيه للذكر، حتى غابت الشمس: (فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ * رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ) (صّ:32-33) رغم أن استعراض الخيل من الخير، لكنه ما كان يقدم شيئاً على ذكر الله، فأمر بإرجاع الخيول وأخذ السيف يضربها على رقابها وعلى أرجلها حتى لا ينشغل بها عن ذكر الله، والرواية الثانية أنه أخذ يمسح عن جسدها العرق بالمعنى الظاهرمن بعد ما أجراها وسابق بينها، والروايتان صالحتان وكلاهما وارد فهو ما كان يعدها للزينة وإنما للجهاد في سبيل الله.

كثرة زوجاته

يذكر أن سليمان عليه السلام كان عنده ألف امرأة، فقد جاء في الحديث الصحيح عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: “قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ لَأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى سَبْعِينَ امْرَأَةً تَحْمِلُ كُلُّ امْرَأَةٍ فَارِسًا يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَلَمْ يَقُلْ وَلَمْ تَحْمِلْ شَيْئًا إِلَّا وَاحِدًا سَاقِطًا أَحَدُ شِقَّيْهِ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَوْ قَالَهَا لَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، قَالَ شُعَيْبٌ وَابْنُ أَبِي الزِّنَادِ تِسْعِينَ وَهُوَ أَصَحُّ(2) جاءت بطفل مشوه ليس له أيدي ولا أرجل، وعن ذلك يقول الله تعالى: (وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنَابَ * قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ) (صّ:34-35) وقيل في تفسير ذلك أن سليمان عليه السلام ابتلي بمرض شدسد نحل منه وضعف حتى صار لشدة المرض كأنه جسد ملقى على كرسي، ثم أناب أي عاد إلى حالة الصحة(3).

الغنم والحرث

وقد أعطاه الله سبحانه وتعالى الحكمة في القضاء منذ صغره، ومما ذكره الله من حكمة سليمان في الحكم قوله: (وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ * فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلّاً آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ) (الأنبياء:78-79)وقد ذكر شريح القاضي وغير واحد من السلف أن هؤلاء القوم كان لهم كرم فنفشت فيه غنم قوم آخرين، أي رعته بالليل، فأكلت شجره بالكلية، فتحاكموا إلى داود عليه السلام فحكم لأصحاب الكرم بقيمته. فلما خرجوا على سليمان قال: بم حكم لكم نبي الله؟ فقالوا: بكذا وكذا فقال: أما لو كنت أنا لما حكمت إلا بتسليم الغنم إلى أصحاب الكرم فيستغلونها نتاجاً ودراً، حتى يصلح أصحاب الغنم كرم أولئك ويردوه إلى ما كان عليه، ثم يتسلموا غنمهم، فبلغ داود عليه السلام ذلك فحكم به(4) هذا الحكم ليس من عنده بل من عند الله عز وجل، فالحكم الأول ليس خطأ لكن الثاني أفضل، لأن الله أثنا عليهما معاً: “وَكُلّاً آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً“.

امرأتان وطفل

وجاء في الحديث الصحيح عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:كَانَتْ امْرَأَتَانِ مَعَهُمَا ابْنَاهُمَا جَاءَ الذِّئْبُ فَذَهَبَ بِابْنِ إِحْدَاهُمَا فَقَالَتْ لِصَاحِبَتِهَا إِنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِكِ وَقَالَتْ الْأُخْرَى إِنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِكِ، فَتَحَاكَمَتَا إِلَى دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَام فَقَضَى بِهِ لِلْكُبْرَى فَخَرَجَتَا عَلَى سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ عَلَيْهِمَا السَّلَام فَأَخْبَرَتَاهُ فَقَالَ ائْتُونِي بِالسِّكِّينِ أَشُقُّهُ بَيْنَهُمَا فَقَالَتْ الصُّغْرَى لَا تَفْعَلْ يَرْحَمُكَ اللَّهُ هُوَ ابْنُهَا فَقَضَى بِهِ لِلصُّغْرَى(5)، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَاللَّهِ إِنْ سَمِعْتُ بِالسِّكِّينِ قَطُّ إِلَّا يَوْمَئِذٍ وَمَا كُنَّا نَقُولُ إِلَّا الْمُدْيَةَ، ومن خلال هذه القصة تظهر حكمة وفطنة سليمان عليه السلام حيث تنبه أن الأم الحقيقة تقبل أن يعيش ابنها بعيداً عنها على أن يذبح، وذلك دليلاً على قوة مشاعر الرحمة والرأفة عند الأم.

النملة الفصيحة

وفي قصة النملة التي جاءت في القرآن عبرة وعظة لكل صاحب لب: (وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ) (النمل:17) يوزعون أي يدفعون دفعاً، يخبر تعالى عن عبده ونبيه وابن نبيه سليمان بن داود عليهما الصلاة والسلام أنه ركب يوماً في جيشه جميعه من الجن والإنس والطير، فالجن والإنس يسيرون معه والطير تظله بأجنحتها من الحر وغيره، وعلى كل من هذه الجيوش الثلاثة وزعة، أي نقباء يردون أول الجيش على آخره، فلا يتقدم أحد عن موضعه الذي يسير فيه، ولا يتأخر عنه قال الله تعالى: (حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِي النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ) (النمل:18) فالنملة أمرت وحذرت واعتذرت في جملة واحدة(6) فأي فصاحة أعظم من هذا، فلما رأى سليمان هذا المشهد وسمع كلام النملة، أدرك نعمة الله عليه: (فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ) (النمل:19) ودعاؤه شمل أمه الصالحة فقد جاء ذكرها في الحديث أنها كانت من العابدات الصالحات: فعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “قَالَتْ أُمُّ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ لِسُلَيْمَانَ يَا بُنَيَّ لَا تُكْثِرْ النَّوْمَ بِاللَّيْلِ فَإِنَّ كَثْرَةَ النَّوْمِ بِاللَّيْلِ تَتْرُكُ الرَّجُلَ فَقِيرًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ(7).

نملة تستسقي

جاء في أكثر من رواية أنه أصاب الناس قحط على عهد سليمان عليه السلام، فأمر الناس فخرجوا فإذا بنملة قائمة على رجليها، باسطة يدها وهي تقول: اللهم إنا خلق من خلقك ولا غناء بنا عن فضلك، فقال: ارجعوا فقد سقيتم من أجل هذه النملة.

من عجائب عالم النمل

لعل في تعدد ذِكْر النمل في غير موضع، وتسمية سورة من سور القرآن الكريم باسمه؛ ما يدعو للنظر أكثر في هذا العالم، فهو بحق عالم يذهلك ما فيه من التفاصيل، وقد وجدتُ من المفيد ذكر بعضاً من عالم النمل لما لهذه الحشرة من عجائب، وقد ذكر أهل العلم إعجازاً علمياً في قول الله عن النملة: “لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُحيث أن الحقيقة العلمية تقول أن جسم النمل مكون من مادة السليكا المصنوع منها الزجاج؛ وإن من خصائص الزجاج أنه يتحطم تحطيماً إذا ما دِيسَ؛ وهو من دقة التعبير الذي عَنَتْهُ النملة محذرة قومها.

ففي قول الله قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْتصريح بأن للنمل لغة يتفاهم بها، ويقولون إنها لغة بشفرات خاصة، بل إن النمل هو الحشرة الوحيدة التي تدفن موتاها بعد المعارك، تماماً كما يفعل الإنسان، والتي تعقد المؤتمرات في بعض الأحيان ويدور فيها نقاش.

والنمل هو الحشرة القادرة على تخدير الحشرات الأخرى الأكبر منها بحيث تفرز مادة معينة نحو المراكز العصبية للحشرة الكبيرة فتجعلها مشلولة وعاجزة عن الحركة، ثم تقطّعها قطعاً صغيرة، وقبل الشتاء يقوم النمل بتخزين غذائه، وإنه من المستحيل أن ينشأ ذلك بهذه الدقة في مجتمع ليس بين أفراده لغة للتفاهم، لغة تشمل كل أمور الحياة(8).

ومساكن النمل تتوفر فيها الحماية الكاملة؛ فهي على عمق الأرض وليست على سطحها؛ ولكي يحافظ النمل على متانة مسكنه والذي يسمى مستعمرة النملفإنه يقوم بمضغ لب الأشجار ثم يصنع منه عجينة خاصة كالورق المقوّى؛ ذات أشكال هندسية تتحمل الضغط العالي؛ ثم يقوم بتبطين باطن الأرض بها؛ وزيادة في التموية فإن لمستعمرة النمل عدة مداخل ومخارج.

الهدهد وبلقيس

ومن أعظم القصص وأشهرها مع سليمان عليه السلام ما ذكره الله من خبر الهدد وبلقيس ملكة سبأ من بلاد اليمن: (وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ * لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ * فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَأٍ بِنَبَأٍ يَقِينٍ) (النمل:20-22) يذكر تعالى ما كان من أمر سليمان والهدهد، وذلك أن الطيور كان على كل صنف منها مُقدّمون يقومون بما يطلب منهم ويحضرون عنده بالنوبة، كما هي عادة الجنود مع الملوك، وكانت وظيفة الهدهد على ما ذكره ابن عباس وغيره أنهم كانوا إذا أعوزوا الماء في القفار في حال الأسفار، يجيء فينظر لهم هل بهذه البقاع من ماء، وفيه من القوة التي أودعها الله تعالى فيه أن ينظر إلى الماء تحت تخوم الأرض، فإذا دلهم عليه حفروا عنه واستنبطوه وأخرجوه واستعملوه لحاجتهم.

فلما طلبه سليمان عليه السلام ذات يوم فقده ولم يجده في موضعه من محل خدمته، فجاء الهدهد فوقف على مسافة غير بعيدة من سليمان عليه السلام وقدم عذره: (إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ * وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ * أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ * اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ) (النمل:23-26) كانت بلقيس تحكم كل اليمن بعد أن ورثة ملك أبيها(9)، وكان لها عرش عظيم مرصع بالجواهر واللآلىء، لكنها وقومها يعبدون الشمس، ويتركون عبادة ربهم الخالق، وهنا نلاحظ أن الهدد استخدم علمه وتخصصه في التدليل على قدرة الله عز وجل، فذكر الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَأي يُخرج المخبوء وهو المستور في السموات والأرض من المطر والنبات وغير ذلك، كما ذكر عرش الله عز وجل، لأنه ذكر عرش بلقيس، تقديماً لما هو أعظم وحتى لا يغتر السامع بعرشها.

ومن مستلزمات العدل أن يتحقق سليمان عليه السلام من رواية الهدهد أما وإنها تحمل معلومات هامة سينبني عليها عمل: (قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ) (النمل:27) فما صدقه ولا كذبه، تعبيراً عن تعجبه مما ذكره الهدهد، فما كان في ذلك الزمان امرأة تحكم غيرها، ثم إنه كتب كتاباً وأعطاه للهدهد وقال له: (اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ) (النمل:28) فذهب الهدد بالكتاب وألقاه إليهم ووقف بعيداً يتسمّع ردّهم على الكتاب والحوار الذي سيدور بينهم وهنا تظهر أهمية المعلومات ودرجة صحتها ودقتها قبل اتخاذ المواقف والأفعال خاصة بما يتعلق بمواقف الحكام والملوك: (قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ * إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ * قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ * قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ) (النمل:29-33) فكان رأي الرجال والمستشارين رأياً باهتاً تظهر فيه ملامح الغرور بالقوة دون حساب لقوة سليمان باعتباره ملكاً صاحب قوة غير مسبوقة.

فقد كانوا أقوياء الأجساد ضعاف العقول، أمام رجاحة عقل بلقيس كما يظهر من رأيها: (قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ * وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ) (النمل:34-35) أرادت أن تختبر عزم سليمان وطبيعة تهديده من خلال هذه الرشوة السياسية، وفعلاً خرج وفد بلقيس العظيم من سبأ وتوجه إلى فلسطين بهدايا عظمية جداً وقالوا له نحن لا نريد أن نخضع لك ولكن هذه الهدية دليل صلح بيننا وبينك، فأغضب هذا القول سليمان غضباً شديداً: (فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ * ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ) (النمل:36-37) رجع الرسول وأخبرها بالخبر، فأرسلت إلى سليمان عليه السلام مستسلمة وخاضعة لأمره.

أراد عليه السلام أن يريها عظمة ملكه الذي وهبه له الله عز وجل: (قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ) (النمل:38) عفريت من الجن عرض قدرته وهي أن يحضر عرشها قبل أن ينتهي مجلس سليمان، فقد كان عليه السلام يجلس من الفجر إلى الظهر: (قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ) (النمل:39) لكن الذي عنده علم من الكتاب عرض عرضاً أفضل: (قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرّاً عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ) (النمل:40) في رواية أن الذي عنده علم من الكتاب هو أحد علماء بني إسرائيل كان يعرف اسم الله الأعظم، والرواية الأخرى أنه جبريل عليه السلام، لكن الرواية الأولى أرجح، والمقصود أنه قبل أن ترسل نظرك إلى أبعد غاية ثم تغمضه يكون عندك عرش بلقيس، فعل سليمان عليه السلام ذلك فإذا بالعرش أمامه، وهذا يعطينا نموذج عن قوة ملك سليمان، فإذا كان جندي من جنوده يأتي بهذا العرش العظيم من اليمن إلى بيت المقدس في طرفة عين، فكيف بقوة نبي الله سليمان عليه السلام.

ثم أمر بتغيير معالم العرش: (قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ * فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ) (النمل:41-42) كان جوابها يَنُمّ عن حكمتها وذكائها، فهي ما قالت نعملأنها تركت العرش في اليمن، ولا قالت لالأنه مثل عرشها مع بعض الاختلاف، فقالت كَأَنَّهُ هُوَيعني تحتمل أنه هو وتحتمل أنه ليس هو وتحتمل الشبه فجمعت كل هذه الاحتمالات في كلمتين، فلمّا سمع جوابها تعجب من فصاحتها ومن علمها فقال: “وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَنعم هي عالمة حكيمة لكن سليمان عليه السلام أعلم منها، ويزيد عليها بالإسلام لله سبحانه وتعالى.

فخضعت لملك سليمان عليه السلام لكنها بقيت على الكفر: (وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ) (النمل:43) فأراد سليمان عليه السلام أن يريها صنعاً ليس من فعل البشر، فأمر ببناء صرح (قصر) من زجاج تجري من تحته الأنهار، وجعل عليه سقفاً من زجاج فيه أصناف الحياة البحرية، وأمرت بدخول الصرح بينما سليمان عليه السلام جالس على عرشه، فدخلت القصر ورفعت ثوبها مخافة أن تغوص في الماء، فإذا به زجاج فذُهلت: (قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (النمل:44) فلما رأته علمت أن هذا ليس بملك من ملوك الدنيا الذين تعرفهم، إنما هو ملك نبي من عند الله رب العالمين، فآمنت به وخضعت لسلطانه، وفي روايات كثيرة أن سليمان عليه السلام قد تزوجها.

تجديده للمسجد الأقصى

من أعظم أفعاله عليه السلام أنه جدد بناء المسجد الأقصى، فإن سليمان إنما كان له من المسجد الأقصى تجديده لا تأسيسه والذي أسسه هو يعقوب بن إسحاق عليهما السلام بعد بناء إبراهيم الكعبة(10) فعَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَيُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ أَوَّلَ؟ قَالَ: الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ، قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: ثُمَّ الْمَسْجِدُ الْأَقْصَى، قُلْتُ: كَمْ كَانَ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: أَرْبَعُونَ، ثُمَّ قَالَ: حَيْثُمَا أَدْرَكَتْكَ الصَّلَاةُ فَصَلِّ وَالْأَرْضُ لَكَ مَسْجِدٌ(11).

جاء في فضل المسجد الأقصى أحاديث كثيرة، منها ما رواه عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ دَاوُدَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا بَنَى بَيْتَ الْمَقْدِسِ سَأَلَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ خِلَالًا ثَلَاثَةً: سَأَلَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ حُكْمًا يُصَادِفُ حُكْمَهُ فَأُوتِيَهُ وَسَأَلَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ فَأُوتِيَهُ وَسَأَلَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ حِينَ فَرَغَ مِنْ بِنَاءِ الْمَسْجِدِ أَنْ لَا يَأْتِيَهُ أَحَدٌ لَا يَنْهَزُهُ إِلَّا الصَّلَاةُ فِيهِ أَنْ يُخْرِجَهُ مِنْ خَطِيئَتِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ(12) ونحن نرجوا الله أن يكون قد أعطى الثالثة لهذه الأمة.

وفاة سليمان عليه السلام

مهما وصل الإنسان من قوة وجبروت وعظمة لن يملك ما ملكه سليمان عليه السلام، لكن الموت حق على المخلوق: (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ) (الزمر:30) فأراد الله سبحانه وتعالى أن يجعل في موته عبرة وعظة، وذلك أن الناس في ذلك الزمان فُتنوا بالجن، حتى أنهم كانوا يظنون أن الجن يعلمون الغيب، فأراد الله سبحانه وتعالى أن يريهم من خلال موت سليمان عليه السلام أن الجن لا يعلمون الغيب، ففي يوم من الأيام سخّر سليمان الجن تسخيراً شديداً، فأخذوا يعملون وهو يراقبهم، وكانوا يخافون منه خوفاً شديداً، حيث كان يعاقبهم ويحبسهم لتقصيرهم، وكان حينها يبلغ من العمر اثنان وخمسين (52) سنة.

وكان متكئاً على عصاته، وبينما هو على هذا الحال قبض ملك الموت روحه وظلت عيناه مفتوحتان، وظل الجن يعملون يحسبونه حياً، استمر هذا الحال عاماً كاملاً، لا يتحرك، لا يأكل ولا يشرب ولا يتكلم، وهم في ضنك وعذاب من شدة العمل، فأرسل الله سبحانه وتعالى دابة الأرض (الأرضة) التي تأكل الخشب، فأخذت تأكل من العصا حتى إذا أكلت جوف العصا ضعفت وثقل عليها فخرَّ عليه السلام، فتبينت الجن أنه ميت من سنة، وتبينت الإنس أن الجن لا يعلمون الغيب، ولو كانوا يعلمون الغيب لعرفوا أن الذي أمامهم ميت وليس حي: (فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ) (سـبأ:14) منسأته: عصاه بلسان أهل الحبشة.


1() وقد قال الحافظ أبو بكر البيهقي: … حدثني أبو مالك. قال مرّ سليمان بن داود بعصفور يدور حول عصفورة فقال لأصحابه: أتدرون ما يقول؟ قالوا: وما يقول يا نبي الله؟ قال: يخطبها إلى نفسه ويقول زوجيني أسكنك أي غرف دمشق شئت! قال سليمان عليه السلام لأن غرف دمشق مبنية بالصخر، لا يقدر أن يسكنها أحد، ولكن كل خاطب كذاب.

2() رواه البخاري.

3() صفوة التفاسير للصابوني.

4() ابن كثير.

5() رواه البخاري.

6() المصدر السابق لابن كثير.

7() سنن ابن ماجة.

8() السنجري، عبد الرحمن. إلى الذي سأل أين الله. ط 7. بيروت: دار البشائر الإسلامية، 1993

9() جاء في البخاري.. لَمَّا بَلَغَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ فَارِسًا مَلَّكُوا ابْنَةَ كِسْرَى قَالَ: “لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمْ امْرَأَةً

10() زاد المعاد في هدي خير العباد (ابن قيم الجوزية).

11() رواه البخاري.

12() رواه النسائي في سننه.

عن Naji Shukri

شاهد أيضاً

قصة داود عليه السلام

هو داود بن إيشا من ذرية يهوذا بن يعقوب عليه السلام، جاء في وصفه عليه …

2 تعليقان

  1. جزاك الله خيرا و جعلها في ميزان حسناتك