الرئيسية / مقالات / رأي وتحليل / بناء على معلومات المخابرات التركية .. هكذا فشل إنقلاب 15 يوليو

بناء على معلومات المخابرات التركية .. هكذا فشل إنقلاب 15 يوليو

لم تكن محاولة الانقلاب الفاشلة مساء الجمعة 15 يوليو 2016 من قبل مجموعة من الضباط العسكريين؛ بمعزل عن الحملة المستمرة لإسقاط حزب العدالة والتنمية من على سدة الحكم، بل والعودة بتركيا إلى سنوات حكم العسكر التي بدأت بانقلاب عام 1960م مروراً بانقلاب عام 1997م ضد نجم الدين أربكان كأول رئيس وزراء إسلامي.
لا شك أن المعلومات الاستخبارية التي حصلت عليها المخابرات التركية هي التي حفزت العمل المبكر من أركان الحكم في تركيا، غير أن تكامل الجهود في تركيا هو ما أفشل الإنقلاب خلال خمس ساعات فقط، كما أن شجاعة الرئيس رجب طيب أردوغان في إطلاق ندائه للشعب التركي للخروج إلى الشوارع من أجل حماية الديمقراطية، بل ودعوته لأجهزة الأمن من أجل مواجهة الإنقلابيين حتى الموت، هو ما شجع منظومة الحكم في الدولة للإفصاح عن مواقفهم من الإنقلاب. ولأن أسباب محاولة الانقلاب من عناصر الجيش لا تخفى على أحد، والتي تؤكد الحكومة التركية أنها مدعومة من المعارض “فتح الله كولن” والمقيم بولاية بنسلفانيا في الولايات المتحدة الأمريكية منذ 1999م، فإن الإجابة على سؤال “لماذا فشل الإنقلاب في تركيا؟” هو أكثر أهمية من خلال مراجعة مواقف أطراف الدولة جميعاً.
1. الرئيس أردوغان: لم يختفي طويلاً، بل بادر بإجراء مقابلة مباشرة من مكان تواجده في اسطنبول، مع محطة تلفزة محلية داعياً فيها الشعب التركي للخروج في الشوارع والميادين، ثم تبع ذلك بخروجه على الإعلام أربع مرات متتالية من خلال وسائل التواصل الاجتماعي التقليدية، مبيناً أن ما يجري هو انقلاب يستهدف الديمقراطية وأن على قوى الأمن مواجهته حتى الموت. وقد قام أردوغان بذلك رغم استهداف الفندق الذي كان يقيم فيه بقصف جوي.
2. الشعب التركي: كان تحركه واسعاً في كافة مراكز تواجد الإنقلابيين العسكريين الرئيسية، وهاتفاً بشكل مستمر بالمطالبة بعودة الجيش إلى ثكناته، معبراً عن أن الإنقلاب يهدد حياتهم المدنية. وهم الذي استجابوا لدعوة الرئيس الذي أعلن أن الدبابات التي تتواجد في الشوارع لا تنتمي للشعب التركي، وبالتالي لم يستند الانقلاب على قاعدة جماهيرية مساندة له.
3. الأحزاب السياسية: لعل موقف حزبي المعارضة الرئيسيين في تركيا “حزب الشعب الجمهوري، وحزب الشعب الديمقراطي” قد شكل قوة رفض صريحة وشعبية من خلال رفضهما للإنقلاب، وتمسكهما بالخيار الديمقراطي، فلم تكن مظلة سياسية لأصحاب الانقلاب.
4. قوات الأمن والشرطة التركية: قد كان لها -بلا شك- الدور التنفيذي البارز في إلقاء القبض على الإنقلابيين من خلال القوات الخاصة. حيث قامت بعمليات تكتيكية خاصة للسيطرة على الإنقلابيين العسكريين الذي سيطروا على محطة التلفزيون الرسمية، والقوات التي سيطرت على هيئة الأركان، ومطار أتاتورك الدولي، وكذلك جسر الفاتح الاستراتيجي.
5. رئيس هيئة الأركان: حيث رفض “خلوصي أكار” رئيس هيئة الأركان التركية تلاوة بيان الإنقلاب، مما أضعف سلطة الإنقلاب التي تعتمد على طبقة متوسطة من الضباط. وسرعان ما أعلن رئيس الجيش التركي الأول -الرجل الثاني بعد خلوصي- أنه لا يساند الإنقلاب، وهكذا توالت مواقف القيادات العسكرية العليا التي أعلنت عدم اشتراكها فيه.
6. أقطاب حزب الحرية والعدالة: لا شك أن توالي ظهور أقطاب الحزب الحاكم على الإعلام التركي، من خلال المتاح من الوسائل، قد أضعف رواية الإنقلابيين بسيطرتهم على الدولة. ولعل من أبرزهم الرئيس التركي السابق “عبد الله غول” ورئيس الوزراء السابق “أحمد داوود أوغلو”، وقد ظهروا جميعاً بخطاب ثوري يحافظ على ديمقراطية الدولة بعيداً عن النبرة الحزبية.
7. البرلمان التركي: تواجد معظم أعضاء البرلمان بأحزابه السياسية الأربعة (حكومة ومعارضة) في مقر البرلمان رغم تعرضه للقصف الجوي، مثل رافعة لمواقف الشعب التركي وقوى الأمن لمواجهة الإنقلابيين في الشوارع، وتجريدهم من صفتهم العسكرية كحامي لنظام الدولة إلى مجرمين مغتصبين لحرية الشعب الذي انتخب برلمانه وشكل حكومته.
لعل 5 ساعات لم تكن كافية لأي دولة لتعبر عن موقفها من الإنقلاب، لكن بعد أن أعلن رئيس الوزراء التركي “بن علي يلدريم” عبر الإعلام، والرئيس أردوغان عن فشل الإنقلاب من خلال الظهور العلني بين عشرات الآلاف من الشعب التركي في مطار اسطنبول؛ بعد ذلك توالت مواقف الدول لرفض محاولة الإنقلاب، باعتبارها انقلاباً على الديمقراطية وخيار الشعب، وهو ما عبرت عنه كل من الولايات المتحدة الأمريكية، وروسيا وإيران، وبريطانيا والإتحاد الأوروبي وقطر والسعودية، وغيرهم. وقد أبدت الدول ذات العلاقة، عن رغبتها بالمساعدة في التحقيق مثل الولايات المتحدة، وكذا اليونان التي لجأ إليها بعض الضباط بطائراتهم.
حتى أن “فتح الله كولن” وهو المتهم الرئيس بتدبير الإنقلاب قد أنكر أي علاقة له بالإنقلاب، بل وشجب الإنقلاب بشكل صريح. ومعلوم أن “الكيان الموازي” هو الاسم الذي يطلقه الأتراك على منظومة الإنقلاب التي يديرها فتح الله كولن من ‫‏بنسلفانيا‬ بالولايات المتحدة الأمريكية.
ولعل الاستثمار السياسي لفشل الانقلاب جاء سريعاً بالبيان المشترك للأحزاب الأربعة المشكلة للبرلمان “حزب الحرية والعدالة” الحاكم، وأحزاب المعارضة الثلاثة ”حزب الشعب الجمهوري، وحزب الشعب الديمقراطي، وحزب الشعوب الديمقراطية الكردي” في ختام جلسة البرلمان العلنية، الذي أعلن رفضه للمحاولة الإنقلابية. ورفض العودة لحكم الجنرالات.
ولعل أبرز الإجراءات التي ستقوم بها الحكومة مدعومة بتفويض البرلمان هي تنظيف الدولة من الكيان الموازي، وقد بدأت بالفعل بعد سويعات من إعلان فشل الانقلاب؛ من خلال عزل أكثر من 2500 قاضي وموظف نيابة، واعتقال كافة القيادات العسكرية المسؤولة عن الإنقلاب وأبرزهم قائدي الجيش التركي الثاني والثالث. ومن اللافت هو حضور جلسة البرلمان الاستثنائية كل من رئيس هيئة الأركان “خلوصي أكار” ورئيس المحكمة الدستورية “زهدي أرسلان” ورئيس المحكمة القضائية العليا “إسماعيل_حقي جيريت”.
ولعل أهم الآثار السياسية التي ستترتب على فشل الإنقلاب هو تسارع الخطى بالتحول التركي إلى النظام الرئاسي. وهنا يظهر أن الشعب التركي والنظام التركي قد قدما نموذجاً متطوراً عن نماذج الثورات العربية.

عن Naji Shukri

شاهد أيضاً

أهم ملفين إقليميين للسياسة الخارجية السعودية

بعد حرب الخليج الثانية وتداعيات “الربيع العربي” أصبح الحديث عن تحالف بعض الدول العربية مع …