الرئيسية / Books كتب / ألف باء في قصص الأنبياء / قصة العزير عليه السلام

قصة العزير عليه السلام

قصة العزير عليه السلام

بعد سليمان عليه السلام انحرف بني اسرائيل عن الهدى ومالوا إلى الضلال، فأراد الله عز وجل أن يجدد فيهم الدين فبعث إليهم (عزيراً) وهو نبي كريم من أنبياء الله، والمشهور أن عزيراً من أنبياء بني إسرائيل وأنه كان فيما بين داود وسليمان وبين زكريا ويحيى، وأنه لما لم يبقَ في بني إسرائيل من يحفظ التوراة ألهمه الله حفظها فسردها على بني إسرائيل، كما قال وهب بن منبه: أمر الله ملكاً فنزل بمعرفة من نور، فقذفها في عزير فنسخ التوراة حرفاً بحرف حتى فرغ منها(1).

وكذلك فالمشهور أنه المقصود بقول الله تعالى: (أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (البقرة:259) وقد قيل أن المقصود في الآية هو إرميا بن حلقيا، لكن الأول هو الراجح والمشهور، وأما القرية فالمشهور أنها بيت المقدس، بعد تخريب بختنصر لها وقتل أهلها، مرّ عليها وهي خاوية أي مدمرة ليس فيها أحد، ساقطة سقوفها وجدرانها على عرصاتها، فوقف متفكراً فيما آل أمرها إليه بعد العمارة العظيمة التي كانت عليه من قبلُ، زمن داوود وسليمان، وقال: أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا ذلك لما رأى من دثورها وشدة خرابها وبعدها عن العود إلى ما كانت عليه، فأماته الله مائة عام ثم بعثه.

إيلياء تُبعث من جديد

وعمّرت البلدة بعد مضي سبعين سنة من موته، وتكامل ساكنوها وتراجع بنو إسرائيل إليها، فلما بعثه الله عز وجل بعد موته، كان أول شيء أحياه فيه عينيه لينظر بهما إلى صنع الله فيه، كيف يحيي بدنه، فلما استقل سوياً قال الله له أي بواسطة الملك كَمْ لَبِثْتَ؟ قَالَ: لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ، وذلك أنه مات أول النهار ثم بعثه الله في آخر النهار، فلما رأى الشمس ظن أنها شمس ذلك اليوم، قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ أي لم يتغير، ذلك أنه كان معه فيما ذُكِرَ عنب وتين وعصير، فوجده كما هو لم يتغير منه شيء؛ لا العصير استحال ولا التين حمض ولا أنتن ولا العنب نقص، وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ كيف يحييه الله عز وجل أمام ناظريك، وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً أي نرفعها فيركب بعضها على بعض ونحييها، قال السدي وغيره: تفرقت عظام حماره يميناً ويساراً، فنظر إليها وهي تلوح من بياضها، فبعث الله ريحاً فجمعتها من كل موضع من تلك المحلة ثم ركب كل عظم في موضعه حتى صار حماراً قائماً من عظام لا لحم عليها، ثم كساها الله لحماً وعصباً وعروقاً وجلداً، وبعث الله ملكاً فنفخ في منخري الحمار فنهق، كله بإذن الله عز وجل وذلك كله بمرأى من العزير، فعند ذلك لما تبين له هذا كله قَالَ: أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(2).

بعد ذلك ركب حماره وعاد إلى قريته، فأنكروه حتى شهدت له امرأة عجوز عمياء مقعدة دعى لها فرد الله عليها بصرها وقامت صحيحة معافاة، وتعرف عليه أولاده من علامات على جسده.

وكان أعلم الناس وأحفظهم للتوراة، حتى كتبها لهم كما كانت، قال ابن عباس: “فكان كما قال الله تعالى: وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ؛ يعني لبني إسرائيل، وذلك أنه كان يجلس مع بنيه وهم شيوخ وهو شاب، لأنه مات وهو ابن أربعين سنة فبعثه الله شاباً كهيئته يوم مات“.

فأقبل الناس عليه وعلى التوراة الصحيحة من جديد، وعظّموه وقدّسوه حتى وصل تقديسهم له أنهم قالوا عنه أنه ابن الله: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ) (التوبة:30) وروى ابن عساكر عن ابن عباس أنه سأل عبد الله بن سلام عن قول الله تعالى: (وَقَالَتْ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ) لم قالوا ذلك؟ فذكر له ابن سلام ما كان من كَتْبه لبني إسرائيل التوراة من حفظه، وقال بني إسرائيل: لم يستطع موسى أن يأتينا بالتوراة إلاّ في كتاب وأن عزيراً قد جاءنا بها من غير كتاب. فرماه طوائف منهم وقالوا عزير ابن الله(3).

نبي الله وإحراق النمل

جاء في صحيح البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: “نَزَلَ نَبِيٌّ مِنْ الأنبياء تَحْتَ شَجَرَةٍ فَلَدَغَتْهُ نَمْلَةٌ فَأَمَرَ بِجَهَازِهِ (أي متاعه) فَأُخْرِجَ مِنْ تَحْتِهَا ثُمَّ أَمَرَ بِبَيْتِهَا فَأُحْرِقَ بِالنَّارِ(أي أحرق قرية النمل كلها)، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ فَهَلَّا نَمْلَةً وَاحِدَةًقال ابن عباس وغيره أنه العزير.

يقول ابن حجر في شرح هذا الحديث: واستدل بهذا الحديث على جواز إحراق الحيوان المؤذي بالنار، من جهة أن شرع من قبلنا شرع لنا إذا لم يأت في شرعنا ما يرفعه، ولا سيما إن ورد على لسان الشارع ما يشعر باستحسان ذلك، لكن ورد في شرعنا النهي عن التعذيب بالنار، قال النووي: هذا الحديث محمول على أنه كان جائزاً في شرع ذلك النبي جواز قتل النمل وجواز التعذيب بالنار، فإنه لم يقع عليه العتب في أصل القتل ولا في الإحراق بل في الزيادة على النملة الواحدة، وكذا لا يجوز عندنا قتل النمل لحديث ابن عباس في السنن أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن قتل النملة والنحلةانتهى، وقال عياض : في هذا الحديث دلالة على جواز قتل كل مؤذ.

ويقال إن لهذه القصة سبباً، وهو أن النبي مرّ على قرية أهلكها الله تعالى بذنوب أهلها فوقف متعجباً فقال: يا رب قد كان فيهم صبيان ودواب ومن لم يقترف ذنباً، ثم نزل تحت شجرة فجرت له هذه القصة. والنبي لم يُعاتَب إنكاراً لما فعل بل جواباً له وإيضاحاً لحكمة شمول الهلاك لجميع أهل تلك القرية، فضرب له المثل بذلك أي إذا اختلط من يستحق الإهلاك بغيره وتعين إهلاك الجميع طريقاً إلى إهلاك المستحق جاز إهلاك الجميع، ولهذا نظائر كتترس الكفار بالمسلمين وغير ذلك.

وقال القرطبي: ظاهر هذا الحديث أن هذا النبي إنما عاتبه الله حيث انتقم لنفسه بإهلاك جمع آذاه منه واحد، وكان الأولى به الصبر والصفح، وكأنه وقع له أن هذا النوع مؤذ لبني آدم وحرمة بني آدم أعظم من حرمة الحيوان.

والنمل أعظم الحيوانات حيلة في طلب الرزق، ومن عجيب أمره أنه إذا وجد شيئا ولو قل أنذر الباقين، ويحتكر في زمن الصيف للشتاء، وإذا خاف العفن على الحب أخرجه إلى ظاهر الأرض وإذا حفر مكانه اتخذها تعاريج لئلا يجري إليها ماء المطر، وهو مما يمكنه أن يحمل ما هو أثقل منه وزناً.

1 ابن كثير.

2 تفسير ابن كثير.

3 ابن كثير.

عن Naji Shukri

شاهد أيضاً

قصة داود عليه السلام

هو داود بن إيشا من ذرية يهوذا بن يعقوب عليه السلام، جاء في وصفه عليه …