الرئيسية / Books كتب / ألف باء في قصص الأنبياء / قصة زكريا ويحيى عليهما السلام

قصة زكريا ويحيى عليهما السلام

قصة آل عمران

قصة زكريا ويحيى عليهما السلام

تعاقب على بني إسرائيل عدد من الأنبياء والصالحين الذين حملوا التوراة وعلموها للناس فمنهم من جمع النبوة والملك كيوشع بن نون وداوود وسليمان، ومنهم من كانت له النبوة فقط، حتى تعاقبت الذرية الصالحة من ذرية داود عليه السلام فكان منهم آل عمران: (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (آل عمران:3334) فعمران من ذرية داوود عليه السلام وكان صاحب صلاة بني إسرائيل في زمانه وكانت زوجه من العابدات الصالحات، وكان زكريا عليه السلام نبي ذلك الزمان، وكان عليه السلام يأكل من عمل يده، فقد جاء في صحيح مسلم ومسند الإمام أحمد وغيرهما عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: “كَانَ زَكَرِيَّا نَجَّارًا، وهو زوج أشياع أخت مريم بنت عمران في قول جمهور العلماء، وقيل زوج خالتها.

إذاً يحيى هو ابن خالة عيسى عليه السلام، جاء في صحيح البخاري عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدَّثَهُمْ عَنْ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ ثُمَّ صَعِدَ حَتَّى أَتَى السَّمَاءَ الثَّانِيَةَ فَاسْتَفْتَحَ قِيلَ مَنْ هَذَا قَالَ جِبْرِيلُ قِيلَ وَمَنْ مَعَكَ قَالَ مُحَمَّدٌ قِيلَ وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ قَالَ نَعَمْ فَلَمَّا خَلَصْتُ فَإِذَا يَحْيَى وَعِيسَى وَهُمَا ابْنَا خَالَةٍ قَالَ هَذَا يَحْيَى وَعِيسَى فَسَلِّمْ عَلَيْهِمَا فَسَلَّمْتُ فَرَدَّا ثُمَّ قَالَا مَرْحَبًا بِالْأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ

مريم في خدمة بيت المقدس

بدأت هذه القصة بامرأة عمران أم مريم عليها السلام أنها كانت لا تنجب، وفي يوم من الأيام رأت عصفورة تطعم فرخها الطعام، فاشتاقت للولد، فدعت الله عز وجل أن يرزقها فحملت، وكانت قد نذرت أنها إذا حملت فستجعل مولودها يخدم بيت المقدس، وكان زكريا وآل عمران قد انتقلوا إلى بيت المقدس للعبادة، وكان من سنتهم أنهم ينذرون الأولاد لخدمة بيت المقدس، فإذا جاءهم الولد يسلمونه للأحبار الذين في بيت المقدس يتولونه ويعلمونه التوراة ويكبر في كنفهم ليكون من العبّاد والعلماء ويخدم بيت المقدس: (إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (آل عمران:35) محرراً أي متروكاً لخدمة بيت المقدس، فلما ولدت فإذا المولودة أنثى، وما كانت الإناث يخدمن البيت المقدس، بل الخدمة مقصورة على الذكور: (فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) (آل عمران:36) وعمران كان رئيس كهنة بيت المقدس، فاستشارته، فقال: مادمت نذرتِها فهي لله، فكان هذا من تعظيم الله لمريم عليها السلام، وقد قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ مَا مِنْ بَنِي آدَمَ مَوْلُودٌ إِلَّا يَمَسُّهُ الشَّيْطَانُ حِينَ يُولَدُ فَيَسْتَهِلُّ صَارِخًا مِنْ مَسِّ الشَّيْطَانِ غَيْرَ مَرْيَمَ وَابْنِهَا ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: “وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ(1) وكان ذلك استجابة لدعائها، فلا يمسها الشيطان ولا يمس ذريتها ولم يكن لها من الذرية إلا عيسى عليه السلام، فأصبحت من خَدَمَة بيت المقدس.

كفالة زكريا لمريم

عندما جيئ بمريم إلى البيت المقدس وهي رضيعة، تسابق الأحبار لكفالتها، وكان من عادتهم أن أي مولود يهدى إلى بيت المقدس يتكفل به أحد الأحبار، فاختصموا فيها، فلجئوا إلى الله بالدعاء –كعادتهم عند التخاصم والاختلاف في شئليبين لهم الأمر المختلف فيه وكيفية الخلاص إلى الاتفاق أو الصواب.

ثم إن الله تعالى قد هداهم فتوافقوا على أن يرموا أقلاماً في الماء، فينظروا إلى علامة الله عز وجل التي تظهر، فأخذوا الأقلام ورموها في سيل الماء، فطفت الأقلام على الماء وسارت مع التيار إلا قلم زكريا عليه السلام سار عكس اتجاه الماء: (ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ) (آل عمران:44) وهذا الاخبار من الله لنبيه الكريم محمد صلى الله عليه وسلم عن تفاصيل هذه القصة يظهر إعجازاً، فهو عليه الصلاة والسلام لم يكن في ذلك الزمن البعيد، فكيف له أن يكون شاعراً أو متقولاً على الله حاشاهبل هو نبي مرسل من الله كما أرسل الأولون من قبل.

فلما رأوا تلك العلامة سلّموا بأن تكون مريم من نصيب زكريا عليه السلام: (فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ) (آل عمران:37) ونبتت نباتاً حسناً، وكبرت بسرعة حيث ظهرت عليها علامات البلوغ قبل البنات اللائي في سنها، وعندما ولدت عيسى عليه السلام كان عمرها خمسة عشر (15) سنة، كانت صغيرة لكنها في مظهر النساء.

ومن كراماتها التي تعجب لها زكريا عليه السلام، أنه كان ينزل عليها الرزق من السماء، فكان يجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف، في وقت لم يكن فيه ثلاجات أو وسائل للحفظ، وذلك بعبادتها ومكانتها وفضلها عند الله، يقول الله سبحانه وتعالى عنها في القرآن وعن عيسى عليه السلام: (مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ) (المائدة:75).

وكانت من العابدات الزاهدات الخالصات لله عز وجل، من أفضل نساء العالمين: (وَإِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ) (آل عمران:42) وفي حديث البخاري عن عَلِيّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: “خَيْرُ نِسَائِهَا مَرْيَمُ ابْنَةُ عِمْرَانَ، وَخَيْرُ نِسَائِهَا خَدِيجَةُأي خير نساء الجنة، وجاء في مسند الإمام أحمد عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: خَطَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ خُطُوطٍ قَالَ: أَتَدْرُونَ مَا هَذَا؟ قَالُوا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “أَفْضَلُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ وَفَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ وَمَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ وَآسِيَةُ بِنْتُ مُزَاحِمٍ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ“.

زكريا يطلب من الله الولد

لمّا رأى زكريا عليه السلام ذلك الفضل وتلك الكرامات لمريم، علم أن الرزاق للشيء في غير أوانه قادر على أن يرزقه ولداً وإن كان قد طعن في سنه، وكان عمره في ذلك الوقت مائة سنة، وزوجته عمرها تسع وتسعون سنة، فدعا الله عز وجل أن يرزقه ولد صالح يخلفه في بني إسرائيل فيرث النبوة خوفاً من أن يعم الفساد في بني إسرائيل من بعده: (ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا * إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيّاً * قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيّاً * وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً) (مريم:26) فجاءت الاستجابة من الله سبحانه وتعالى: (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ) (الأنبياء:90) يقول ابن عباس: فلما استجاب الله سبحانه وتعالى له حاضت، وفي رواية أخرى عن ابن عباس رضي الله عنه في تفسير وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُأنها كانت سيئة الخلق بذيئة اللسان، فأصلحها الله عز وجل خَلقاً وخُلقاً.

وبشّرته الملائكة: (يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيّاً) (مريم:7) غلام ليس له سمىّ ولا شبيه اسمه يحيى، فتعجب زكريا: (قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيّاً * قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً) (مريم:89) الأمر عند الله بسيط: (بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (البقرة:117).

فطلب زكريا عليه السلام من الله تعالى علامة على حصول الحمل لزوجه: (قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيّاً) (مريم:10) العلامة أنه لن يستطيع أن يكلّم الناس ثلاثة أيام وهو على ذلك سَويّ الخَلق، صحيح المزاج، معتدل البِنْية، وفي الآية الأخرى: (قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزاً وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ) (آل عمران:41) يستطيع أن يكلم الناس بالإشارة وبكلام الشفاه بدون صوت، قالوا أنه كان يسبح ويذكر الله عز وجل، فإذا التفت إليهم يريد أن يتكلم فلا يستطيع، فظهرت له هذه العلامة ثلاثة أيام، فخرج إلى قومه يبشرهم: (فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيّاً) (مريم:11).

يصف الله سبحانه وتعالى هذا الأمر في آيات أخرى فيها بعض صفات يحيى عليه السلام: (هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ * فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيّاً مِنَ الصَّالِحِينَ) (آل عمران:3839) فكانت البشارة بحيى تحمل بشائر نبوته وتصديقه لنبي آخر وهو عيسى بن مريم عليهم السلام جميعاً، بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّههو عيسى عليه السلام، وأن يحيى سيكون سيداً كريماً شريفاً، وَحَصُوراًوهو الأعزب الذي لا يأتِ النساء مع قدرته على ذلك، ولكنه عزف عن النساء وتفرغ لعبادة الله عز وجل.

فضل يحيى عليه السلام

وحملت زوجة زكريا عليه السلام ورزق بيحيى، وجاء الأمر ليحيى عليه السلام عندما كبر: (يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيّاً * وَحَنَاناً مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيّاً * وَبَرّاً بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّاراً عَصِيّاً * وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيّاً) (مريم:1215) فرزق الحكمة وهو صبي، حتى أنه ذات مرّة قال الصبيان ليحيى بن زكريا: اذهب بنا نلعب. فقال: ما للعب خُلقنا، واختلف العلماء في معنى الحكم هل هو الحكمة؟ أم هو النبوة؟ فكلاهما وارد والأرجح عندهم أنه الحكمة، ولقد أحسن بعض الشعراء حيث يقول:

ولدتك أمك باكياً مستصرخــاً والناس حولك يضحكون سـروراً

فاحرص لنفسك أن تكون إذا بكـوا في يوم موتــك ضاحكاً مسروراً

وعن قتادة أن الحسن قال: إن يحيى وعيسى التقيا، فقال له عيسى: استغفر لي، أنت خير مني، فقال له الآخر: استغفر لي أنت خير مني، فقال له عيسى: أنت خير مني، سلمتُ على نفسي وسلم الله عليك، فعُرف –واللهفضلهما(2) وهذا من تواضع عيسى عليه السلام، لكن باتفاق العلماء أن عيسى عليه السلام أفضل من يحيى عليه السلام فهو من أولي العزم من الرسل، وفي ذلك بيان قول عيسى عليه السلام: (وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً) (مريم:33)، وفي مسند الإمام أحمد عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَمَا مِنْ النَّاسِ أَحَدٌ إِلَّا قَدْ أَخْطَأَ أَوْ هَمَّ بِخَطِيئَةٍ لَيْسَ يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا(3).

مقتل يحيى وزكريا

أمّا مقتل يحيى عليه السلام فالروايات فيه أوضح مما ورد في مقتل زكريا عليه السلام، ومن أشهر الروايات في قتل يحيى عليه السلام أن بعض ملوك ذلك الزمان بدمشق كان يريد أن يتزوج ببعض محارمه أو من لا يحل له الزواج بها، فنهاه يحيى عليه السلام عن ذلك فبقي في نفسه منه، فلما كان بينهما وبين الملك ما يحب منها من الأنس والمحبة والرضى طلبت منه أن يَهبَها دم يحيى عليه السلام انتقاماً منه، فوهبه لها، فبعثت إليه من قتله وجاء برأسه ودمه في طست إلى عندها، فيقال أنها هَلَكَت من فورها وساعتها(4).

وفي رواية أخرى أنه كان يحكم بنى إسرائيل في دمشق ملك جبار طاغية فاجر اسمه هداد بن هدار، لكنه كما يفعل كثير من الحكاميظهر التواضع للعلماء والأنبياء والتقرب إليهم، لكن في حقيقته الإنحراف عن منهج الله، وكان قد تزوج ابنه بابنة أخيه، وكان قد حلف بطلاقها ثلاثاً، ثم إنه أراد مراجعتها فاستفتى يحيى بن زكريا عليهما السلام فقال: لا تحل لك حتى تنكح زوجاً غيرك، فحقدت عليه وسألت الملك أن يأتيها برأس يحيى عليه السلام، وذلك بإشارة من أمها، فأبى عليها أول الأمر، فما زالت به حتى أجابها إلى ذلك، وبعث إليه وهو قائم يصلي في المحراب من أتاه برأس يحيى في صينية، فجعل الرأس يقول له: لا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره، فأخذت المرأة اللعينة الطبق فحملته على رأسها وأتت به أمها وهو يقول كذلك، فلما وقفت بين يدي أمها خُسف بها إلى قدميها ثم إلى حقويها، وجعلت أمها تولول والجواري يصرخن ويلطمن وجوههن، ثم خسف بها إلى منكبيها فأمرت أمها بالسياف أن يضرب عنقها ففعل، فلفظت الأرض جثتها عند ذلك.

فوقعوا من حينها في الذل والفناء، ولم يزل دم يحيى عليه السلام يفور حتى قدِم بختنصر فسأل عنه فأخبروه القصة، فقتل عليه خمسة وسبعين ألفاً من بني إسرائيل، ولم يزل الدم يفور حتى وقف عنده نبي الله (أرميا) عليه السلام فقال: أيها الدم أفنيت بني إسرائيل فاسكن، فسكن الدم وتوقف عن الفوران.

وهكذا قُدم رأس يحيى عليه السلام مهراً لبغيّ، فانظر إلى البلاء الذي كان عليه الأنبياء عليهم السلام، لكن العزاء في أن المرء يُفتن في سبيل الله على قدر دينه، ففي الحديث عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلَاءً؟ قَالَ: الأنبياء ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ، فَيُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ فَإِنْ كَانَ دِينُهُ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلَاؤُهُ وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ فَمَا يَبْرَحُ الْبَلَاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ مَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ(5).

وأما عن زكريا عليه السلام، ففي بعض الروايات أنه مات ولم يقتل، وفي الروايات الأكثر والأظهر أنهم تابعوه ليقتلوه أيضاً ليتخلصوا منه، فاختبأ في شجرة انفتحت له، فجاء الشيطان فأمسك طرف ثوبه، فانغلقت على ثوبه فجاءوا يبحثون عنه فما وجدوه، فجاءهم إبليس في صورة بشر قال: ألا ترون ثوبه في الشجرة، أنشروا الشجرة فنشروا الشجرة فقتلوه.

وهكذا قتل هذين النبيين الكريمين عليهما السلام وبقى نبي ثالث هو عيسى عليه السلام، فقد كان في نفس الفترة ولم يزل صبى.

من هدي يحيى عليه السلام

ومما جاء من هدي يحيى عليه السلام ما رواه الإمام أحمد في مسنده عَنِ الْحَارِثِ الْأَشْعَرِيِّ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: “إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَمَرَ يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا عَلَيْهِمَا السَّلَام بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ أَنْ يَعْمَلَ بِهِنَّ وَأَنْ يَأْمُرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يَعْمَلُوا بِهِنَّ وَكَادَ أَنْ يُبْطِئَ، فَقَالَ لَهُ عِيسَى: إِنَّكَ قَدْ أُمِرْتَ بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ أَنْ تَعْمَلَ بِهِنَّ وَتَأْمُرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يَعْمَلُوا بِهِنَّ، فَإِمَّا أَنْ تُبَلِّغَهُنَّ وَإِمَّا أَنْ أُبَلِّغَهُنَّ، فَقَالَ يَا أَخِي: إِنِّي أَخْشَى إِنْ سَبَقْتَنِي أَنْ أُعَذَّبَ أَوْ يُخْسَفَ بِي.

قَالَ فَجَمَعَ يَحْيَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ، حَتَّى امْتَلَأَ الْمَسْجِدُ فَقُعِدَ عَلَى الشُّرَفِ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَمَرَنِي بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ أَنْ أَعْمَلَ بِهِنَّ وَآمُرَكُمْ أَنْ تَعْمَلُوا بِهِنَّ:

أَوَّلُهُنَّ أَنْ تَعْبُدُوا اللَّهَ لَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، فَإِنَّ مَثَلَ ذَلِكَ مَثَلُ رَجُلٍ اشْتَرَى عَبْدًا مِنْ خَالِصِ مَالِهِ بِوَرِقٍ أَوْ ذَهَبٍ، فَجَعَلَ يَعْمَلُ وَيُؤَدِّي غَلَّتَهُ إِلَى غَيْرِ سَيِّدِهِ! فَأَيُّكُمْ سَرَّهُ أَنْ يَكُونَ عَبْدُهُ كَذَلِكَ، وَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ خَلَقَكُمْ وَرَزَقَكُمْ فَاعْبُدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا.

وَآمُرُكُمْ بِالصَّلَاةِ، فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَنْصِبُ وَجْهَهُ لِوَجْهِ عَبْدِهِ مَا لَمْ يَلْتَفِتْ فَإِذَا صَلَّيْتُمْ فَلَا تَلْتَفِتُوا.

وَآمُرُكُمْ بِالصِّيَامِ، فَإِنَّ مَثَلَ ذَلِكَ كَمَثَلِ رَجُلٍ مَعَهُ صُرَّةٌ مِنْ مِسْكٍ فِي عِصَابَةٍ، كُلُّهُمْ يَجِدُ رِيحَ الْمِسْكِ، وَإِنَّ خُلُوفَ فَمِ الصَّائِمِ عِنْدَ اللَّهِ أَطْيَبُ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ.

وَآمُرُكُمْ بِالصَّدَقَةِ، فَإِنَّ مَثَلَ ذَلِكَ كَمَثَلِ رَجُلٍ أَسَرَهُ الْعَدُوُّ فَشَدُّوا يَدَيْهِ إِلَى عُنُقِهِ وَقَدَّمُوهُ لِيَضْرِبُوا عُنُقَهُ فَقَالَ: هَلْ لَكُمْ أَنْ أَفْتَدِيَ نَفْسِي مِنْكُمْ؟ فَجَعَلَ يَفْتَدِي نَفْسَهُ مِنْهُمْ بِالْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ حَتَّى فَكَّ نَفْسَهُ.

وَآمُرُكُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ كَثِيرًا، وَإِنَّ مَثَلَ ذَلِكَ كَمَثَلِ رَجُلٍ طَلَبَهُ الْعَدُوُّ سِرَاعًا فِي أَثَرِهِ فَأَتَى حِصْنًا حَصِينًا فَتَحَصَّنَ فِيهِ، وَإِنَّ الْعَبْدَ أَحْصَنُ مَا يَكُونُ مِنْ الشَّيْطَانِ إِذَا كَانَ فِي ذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.

قَالَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَأَنَا آمُرُكُمْ بِخَمْسٍ اللَّهُ أَمَرَنِي بِهِنَّ: بِالْجَمَاعَةِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَالْهِجْرَةِ وَالْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَإِنَّهُ مَنْ خَرَجَ مِنْ الْجَمَاعَةِ قِيدَ شِبْرٍ فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الْإِسْلَامِ مِنْ عُنُقِهِ إِلَّا أَنْ يَرْجِعَ، وَمَنْ دَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ فَهُوَ مِنْ جُثَاءِ جَهَنَّمَ، قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ: وَإِنْ صَامَ وَإِنْ صَلَّى!؟ قَالَ وَإِنْ صَامَ وَإِنْ صَلَّى وَزَعَمَ أَنَّهُ مُسْلِمٌ، فَادْعُوا الْمُسْلِمِينَ بِأَسْمَائِهِمْ بِمَا سَمَّاهُمْ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْمُسْلِمِينَ الْمُؤْمِنِينَ عِبَادَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.

1 رواه البخاري.

2 ابن كثير.

3 جاء الحديث بروايات كثيرة كلها فيها شيء من الضعف لكن يسند بعضها بعضاً.

4 ابن كثير.

5 رواه الترمذي.

عن Naji Shukri

شاهد أيضاً

قصة داود عليه السلام

هو داود بن إيشا من ذرية يهوذا بن يعقوب عليه السلام، جاء في وصفه عليه …